“عاشقٌ بلا زمن”
كتبتُ هذه القصيدة وفي روحي طبقاتٌ من الحبّ، واللجوء، والنداء.
أنا ذاك العاشقُ الذي لا يملكُ زمنًا، ولا وطنًا واضحَ الحدود…
لكنّي ما زلتُ أبحثُ في رمادِ الحروب عن بصيصٍ يُشبهُ وجهَ الحياة.
عشقتُ وكنتُ خائفًا — ماذا أُقدِّمُ مَهرًا لعشيقتي؟
وطنًا بلا دار؟ وحروبًا تحرق أطرافَ الثياب ومساماتِ اللمس؟
هل يَعشقُ المُشرَّدُ ليُواصِلَ كفاحه بين فوضى الابتسامات؟
كان العشقُ في طريق، وكنتُ في طريق،
ثمّ التقينا عند تقاطعٍ مجهول،
وُلِدنا فيه بالصمتِ المُخيف… قبِلتُ بها،
وكان عليَّ أن أبدأ بالسؤال:
لِمَن تشكين؟
فقالت: لمن نشكو… ونحنُ عاشقان؟
ومن هنا بدأت الحكاية.
⸻
عاشقٌ بلا زمن
(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)
دريسدن – 30.09.2024 | نُقّحت في 20.07.2025
لِمَن تشكين؟
ونصفُ الكلامِ حُزنٌ،
ونصفُهُ الآخَرُ ينتظر… ينتظرُ رأفَةَ السنين.
وُلِدتُ في كفنِ الراحلين
عن القمحِ والزيتون،
وصِرتُ طفلَ المُشرَّدين.
وكانت كلمةُ “الحبّ”
مطويّةً، ملفوفةً
بين حُجُراتِ القلبِ،
وبين الشفتين؛
إن خرجتْ، زلزلتِ الأرضَ،
وأبكتْ كلَّ العاشقين.
لِمَن تشكين؟
تعالي لنتَرَنَّحَ في هذا الظلِّ،
ونشكو وهجَ جَمَراتِ النكبة؛
ما كنّا لنغفو تحتَ المطارق…
شيَّعْنا فقيدًا، وتفقَّدْنا الغياب،
وزيارةُ المقابر أشبهُ بحجّ المقهورين
لاستلامِ اليأسِ من الوداع،
ومن صبَّرَ المظلومين.
ونحنُ عاشقان،
لكنَّ الحنينَ تقدَّمَ أمامَنا،
وتركَ لنا حبًّا بلا منطق؛
نتوسَّلُه، ونغفو مثلَ تلفِ الزنبق
على كتفِ طريق.
لنا هديلٌ مثل الحمام،
وترانيمُ تُشبهُ صراصيرَ البراري…
ولكن، منذُ متى كان للطريقِ معنًى
إنْ لم يُشرقْ فيهِ الأمل؟
لا معنًى، ولا مبنى للعشقِ إنْ سُرِق،
ونحنُ نسرقُهُ من العيون،
ونختطفُ الحبَّ من قلبِ الحقّ،
حتى ولو خَجِلنا، وتصبَّبَ من شفَتينِ القلق.
سأبدأُ وحدي،
واقفًا بجوارِ أيِّ شيءٍ جميل،
حتى ولو كان عِرموشَ عنب،
أو بقايا عشِّ بلبل،
قشَّتينِ تركتْهُما نملةٌ… للذّكرى،
تهمسُ بهما في سكونِ الطريق؛
فلديَّ ألفُ دافعٍ
لأرقصَ عشقًا
من آخرِ الرقصاتِ الورديّةِ في إنائكِ
ليفيضَ البريق.
كلُّنا مساكين،
نُصبح نفاياتٍ
عند أبوابِ الغُربة،
وشبابيكِ المنسيّين.
نحنُ في غربةٍ بشبّاكٍ واحد،
كيفما نظرنا، نرى الحنينَ.
لا تَتَّهِميني بالتفرُّدِ والتمتُّع،
لقدِ امتلأتُ من الشتات،
ومن رهاناتِ الأمل.
أنا محتارٌ في الحيرةِ
التي تغزوني،
حتى وإنْ كنتُ نائمًا.
آه، لو تَعدّي أحلامي،
لقُلتِ: كوابيسُ فيها تمرُّد،
وفيها خوفٌ من اليقظة،
وفيها خشبٌ محروقُ الأطراف،
توابيتُ مرضى القهرِ،
ومساميرُ حادّةٌ تتطايرُ
في فضاءٍ مُغلق.
اُبقي عينيكِ مفتوحتين،
أخشى عليكِ من الغرق.
ما أكثرَ الأحلامِ التي تدقُّ أجراسَها
لأصحو،
فأصحو… ووهمي بقاءُ السقفِ والجدران.
كنّا نَعبُرُ الطُّرُقاتِ وحدَنا،
نلتفِتُ إلى الرملِ،
ونعصِرُه بين الأصابع،
ولا نشكو من صمتِ الهواء؛
نعبثُ بما تبقّى… لنَبقى.
وكنتُ واثقًا أنَّ البراكينَ
لا تنفجرُ قبل أن تهتزَّ الأرض…
لكنّها تُفجِّرُ قلبَ العاشقِ دون إنذار؛
فأهربُ معكِ لننجوَ معًا،
أو حتى لنذوبَ في الصخر.
ما أرحمَ الطبيعةَ
حين توأدُ ما تحمل،
وترضى لنا ما هو أثمنُ من الرضا.
وكنتُ واثقًا أنَّ الصبحَ للجميع،
وأنّ النافذةَ المفتوحةَ في دارِنا
مِلكٌ للغرباءِ؛
من حقّهم أن ينظروا إلى طاولةِ الطعام،
والأريكةِ الخشبيّةِ، المائلةِ نحو الجدار،
وصحونٍ تنتظرُ العائدين.
لا أحدَ يختبئُ بسببِ نظرةِ العيون،
ولا من تمنّياتِ الجيرانِ بالسعادة.
لكنَّ القنابل…
هي وحدَها من تنبشُ الأجساد،
تثقبُ حتى فنجانَ القهوة،
وتعبرُ عروقَ الشفتين.
من صنعَها يركبُ قطارًا من المخمل،
ويجلسُ في قوقعةٍ يظنُّها قصرَ الخلود…
وهو قاتل.
وأنا وأنتِ الآن
لسنا بمنأًى عن هذا الوجود.
سأسندُ ظهري على الماضي،
وكأنني أعمى… قد أعماه الرماد.
أنا، نعم أنا،
لم أبدأْ في زراعةِ الورد،
وهذا جرمٌ قبيح،
لكنَّ القنابلَ كانت أسرعَ من المعاول،
وأشبهَ بقتلِ النهارِ القادم…
بضعُ ثوانٍ
وتحرثُ الأرضَ لزوالِ الخبز.
والقنابلُ التي تسقُطُ،
تدوي دونَ سببٍ، ولا سببَ
سوى مُلاحقةِ الشريد…
الذي يبقى، كبقاءِ الأرض.
إنهم غُرباء،
ويُواصلون غزونا،
حتى ولو انتحروا،
أو أسندوا ظهورَهم إلى بنادقهم،
وناموا يعبثون.
فلم يَبقَ معنًى لأنْ يعيشوا
إنْ كانتِ الحياةُ فرارًا بعد فرار،
وبحثًا عن مفرّ.
هوَ الانتماء،
الذي يُمكِّنُنا من العيشِ بيقين:
بعدَ هذا الخراب،
سيبقى طرفُ الحبّ… ويكفي.
السّماءُ وحدها صافية،
والغبارُ ودخانُ القنابل
ذهبا مع الريحِ بعيدًا،
وسقطا في البحر،
والأسماكُ التي سنصطادُها
لن تَذكرنا… أبدًا.
(ط. عرابي – دريسدن)