هاجر سليمان العزاوي
شرفة التمنّي
لقد جفَّ حبرُ التمنّي،
فليكتبِ القدرُ ما يشاء.
البعضُ منّا يقرأ الحرف
كأنه يمرّ
مرَّ الكرام،
وآخرون يغوصون
ليكتشفوا أنينَ الحروف
التي صُلِبت
قبل عناق الكلمات.
هنا،
على أعتاب شرفة التمنّي،
وقبل أن ينقضَّ الحبرُ مبعثرًا
وئامَ الأسطر
كما ينقضُّ الصقرُ على فريسته،
إنه حلمُ الحائرين.
وجدتُه يفترشُ الأرصفةَ الصلدة،
صلاةً بلا إقامة،
وعزاءً دون جنازة.
همسَ أحدُهم قائلًا:
مضى وقتٌ طويل
وأنا هاهنا،
ما زلتُ أحترق
فوق جمرِ الانتظار.
الأماني عارية،
بين رقاعها الرثّة تارة،
وتارةً في تسوُّل الشوارع.
يا له من فجرٍ عنيد،
كأنه
وليدُ خاصرة،
ثم عاود بازدراء
وهو يرمي ما تبقّى من سيجارته،
كأنها تنفثُ أنفاسها المحتضرة.
عقودٌ مضت
دون فجرٍ يشرق،
سُحبٌ ملبّدة،
ونجومٌ عزباء
تكالبت على فجرنا الرث،
فأسقطته حيث هوى
في بئرٍ عميقة
لا قرار لها.
كلَّ يومٍ أسمع نحيبه،
إنه يئنّ كلَّ ليلة.
يا لها من مفارقةٍ غريبة:
فجرٌ رثّ
في بئرِ الأشجان.
عمَّ الصمتُ اللاهث
أطرافَ المدينة،
وهو يطبق على قبلة الرجاء،
قبلتِها الأخيرة.
هنا،
على أرصفة الأوجاع،
سنقيم نخبَ ليلِ المتسكعين.
لا شِبرَ لك في أرضٍ وُلِدتَ فيها،
لن تكون وليدَ الحلم،
ستُغتال
قبل أن تغفو للوهلة،
وأنتَ في دفءِ المهد.
كؤوسُ الصبر صدِئت
بحامليها،
والكلُّ ينصهر بواقعه المتزمّت،
الكلُّ يرسم طوقَ النجاة
بسراب الحقيقة،
الكلُّ في وضح النهار
يرسل نداءاته الحائرة
التي لا ملاذَ لها.
يرتعشون ببردها،
ويرتدون الانكسار الموعود.
يا له من ليلٍ قارصٍ معهود.
لقد جفَّ حبرُ التمنّي،
فليكتبِ القدرُ ما يشاء،
للخلودِ إن مرَّ سائلًا،
لعا
برِ سبيلٍ
يدرك فحوى الكلمات.
بقلمي: هاجر سليمان العزاوي
14 _ 1 _ 2026