“تغريدة الشجرة”
ليست الشجرة في هذه القصيدة شجرةً وحسب،
بل جذرٌ يعانق الأرض، وغصنٌ يطلب السماء،
وثمرٌ يفيض بالحبّ كلما ضاقت السبل.
رحلةٌ بين الثبات والتطلع، بين الأرض التي تحتضن،
والسماء التي تُسمّي الأرواح بأسمائها.
كل فعلٍ صغير فيها يزهر معنى.
نحن، في جشعنا، نتعثّر ونغرس أقدامنا في ساحات الصراع، وننسى أننا لم نبلغ بعدُ بهاء الشجر،
ولا طرب الطيور،
ولا حكمة الثمر الذي يعرف كيف يحوّل الفصول إلى حياة.
⸻
تغريدة الشجرة
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 23.07.2024 | نُقّحت 19.09.2025
الأشجار تموت بصحبة الموت،
منذ ولادتها، في بقعةٍ من الأرض المليئة بالأرواح الطيّبة.
تملكها، ولا تحيد عنها قيد شعرة.
متفقون على الأدوار في رحلة البقاء.
والجذرُ عرشٌ متخفٍّ في الأرض،
سرُّه أعظمُ مما تراه عين، ويوصفه البهاء.
يا بذرة الزيتون،
لو عرفتِ مقامك في ضخامة شأنك،
لأدركنا كم نصغر نحن
أمام ظلالك وعبيرك.
ليتنا نتعلّم حكمة الثمر،
ونمرّر الفصول الأربعة كغرباء،
بلا إدراكٍ يصنع منا عظيمًا لأثر.
مَن تُنتزع جذوره من الشجرة،
يصير المكان تابوتًا،
محاطًا بالخوف وأصابع الجريمة،
وزمانه ينهار على وجهه،
دون ذاكرة،
دون أسماء تُعلَّق على الشوارع والساحات.
متخفٍّ في شقوقٍ، لا تُدرَك فجيعتها بالبؤس،
تتضجّر العصافير من الفقد العظيم،
وتبصر الظلال موتها،
كأنّ الضوء وُلِد للنقمة.
كلُّ غزوٍ يذوب عند أول جذر.
فالجذور امتداد،
وللغدر أجل،
وللمظلوم نهارٌ تصبغه الشمس، فتبدد العذاب.
ثم تُرقّق نورها لمواساة الأرض، فتبدّد الظلام بشعاع لا ينكسر،
ولا يخيب في يومٍ آتٍ.
على رفع المظالم بعصا تحملها الكرامة، وتزفّها عين اليقين.
يتحاربون عند أبواب البشاعة.
حارسها يقتل العابرين في سبيل مجدٍ مزيف،
والعابرون يفتّشون في الغنيمة عن خلودٍ مقتول.
يتنقّلون مثل خفافيش،
أرهقها الكهف المنبوذ في جوف الجبل،
وهم يشتعلون بالحذر الأعمى.
لا ثوب يسترهم،
ولا شرنقة تؤويهم لليلة.
غرباءُ،
مثل شهبٍ انقضّت على الفراغ، وذابت في حسرة الغبار.
لم يلتقِ أحدٌ بوجه أحد…
وكأن المصائر تتهالك وحدها، في بركة من الأحقاد.
أخبرني إن كنت لا تموت.
أخبرك: إن كنت مولودًا، لكي تحيا وتموت…
وفي فسحة العمر، مصير يشبه الشجر:
يمنح ظلّه ويترك ثماره علامة على البقاء.
حين تبدأ الحرب،
ويستيقظ جشعها من نوم عتيق،
يصير الإنسان للإنسان عدوًا،
وننسى أن الأشجار تطعم أحبابها،
وتوقظ في السلم طَعم السعادة،
وزهرها موسيقى، من لحن الحياة.
يا أيها الغصن المخضّب بروحي،
ستعود مع ثورة الجذور منتصرًا،
وستبقى في رحلة السماء،
مثل نجمٍ يجاوره القمر في سخاء الضوء.
أنا الزيتونة، وزعتُ روحي بالتساوي
بين الأغصان والجذور،
وعشتُ عمرًا وكأنني ما زلتُ أمّ الأرض،
طفلةً داعبتها البذور،
وسقتها حبات المطر،
ولم نعرف، ولن نعرف، ما الذي سقاها حقًا،
وأعطاها رقة لا تختفي تحت تقلب الفصول.
حان الآن وقت الثمر،
وعاش وقت الثمر.
التفتت إلى غصنها:
لم أرَ شموخًا يعلو غصنًا،
يمجّد الدهر على أصولي.
أنا أحملك عَلَمًا،
وأستأنس بك على جسدي
مثل آلهة العصور السحيقة.
اسبقني إلى السماء، يا غصني العفيف من لذّة هواء،
سترى الأفق يشرق مبتهجًا وفخورًا.
لقد رأيتُ جذوري تعشق الأرض،
تتبادل معها العطاء،
فطمأنت الأقدار، وقطفت ثمارها.
سننشد معًا، يا غصني الفريد،
ونردّد أغنية الجذور في وقت واحد،
حيث تكون الساعات برفقتنا… إلى الأبد.
قال الغصن، ممتلئ بالغصّة:
هل ننتهي إذا شاخت القشور وتعبت ألياف الروح؟
سنقترب اليوم، لكي لا نبتعد.
ثلاثية البقاء رصيفنا،
على خط واحد نحو معرفة أسمائنا في السماء.
اقتربنا من كل شيء، إلا خوفًا يصدّ اليقين.
فالجذر راسخ،
والغصن متين، والإنسان مسكين يتعثّر تحت ثقل السنين،
لكن ثمر فكره يولّد حياة، وروحه بحرٌ وزبد.
يحمل أقلامه بشغف،
علّ الحبر يوقظ مارده الغافي في جلجلة اليقين.
شتاء يقتل ربيعًا،
وخريف يحتجّ، والشجرة تنأى عن الصراع.
طاهر عرابي – دريسدن