"نُزهة الخيال"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 30.07.2024 | نُقِّحت في 15.11.2025
لم أكتب هذه القصيدة عن حلمٍ فحسب، بل عشتُه.
فتحتُ بابًا لم يطرقه أحد، فرأيت عالمًا بلا صراعات، بلا انتماءات خانقة.
حين هممتُ بالدخول، أدركتُ أنني أنتمي إلى الأرض بكل شقائها وحنينها.
أنا الشريد، لا لأنني بلا مأوى، بل لأن المأوى الحقيقي هو المعنى… والوفاء ما يبقي الإنسان حيًّا.
“نُزهة الخيال” ليست دعوة للهروب، بل اختبارٌ داخلي للانتماء، وتأملٌ في الوطن حين يصير الحلم منفى.
بين عالمي وقلبي، يطرح النص سؤالًا:
هل يملك أحدٌ الحق في ألم البشر؟
سؤالٌ أحمله منذ أن عرفت البشرية الحجر.
⸻
نُزهة الخيال
سأفتحُ بابًا لم يفتحه أحد،
مرسومًا على جدارٍ
يمتدّ من الأرض إلى ما وراء السماء،
لا يميل إلى طرفٍ،
ولا يخضعُ لولاءٍ أو جهة،
منتصب البنيان، حرٌّ في ثقافة العلو.
وأنا تعبتُ من تبعيّة الظلال،
ومن صمتٍ يُؤجِّل الوفاء،
ويطوي الأحلامَ تحت الوسادة.
هَبَت نسمة أشبه بزوبعة،
فأصابني شغفٌ بالتمرّد.
تمردتُ على الجسد،
تمردتُ على الروح،
تمردتُ على فقاعاتِ الوعود والنسيان،
وثرثراتِ الأملِ المغلَّفة بثوبِ الهرب،
فأدركتُ أنّ الوقوف آخرُ أشكال الصراخ.
في صباحٍ خرجتْ شمسه من فوق الجدار،
كان الظلُّ محبوسًا تحت ثوبها،
كعريسٍ خجولٍ في متعة الزفاف،
يشعر أنّه جنى على نفسه،
واقتحم زمنًا كان ملكًا لأشرعة تبحر
في كون العواطف،
صفق على كتف الجدار، وصلى للشمس.
كنتُ محايدًا،
أراقبُ ما يحدث خلف الحقيقة،
لكنّي كنتُ مهيّأً للشرّ.
اعتدتُ المواجهة،
حتى ولو كان يُصبّ حارًّا بلا دخان،
وبلا علامة على نضجه أو مصدره.
أعدت لساني للوراء، وأوكلت الحنجرة بتأديبه،
وكنتُ مقتنعًا أنّ النجدة أصبحت عارًا،
وفي قاموس الولاء تكون الخيانة.
لن أستجدي أحدًا؛
لقد قُضي الأمر تحت الشمس.
ورثتُ الصبر عن أجيال اعتادت البؤس تحت عرائش الملل،
ورافقتني احتمالات التشرد كظلٍّ لا يرحل.
تحررتُ من كل قاتل للبهجة،
في صباح مستعار من رأفة الزمن.
هُزِم القاتل، وبقيت جروحي تنتظر روحًا أخرى خارج معادلة السفهاء.
كان الأمر أقوى من الانتظار.
دفعتُ الباب،
فإذا بفضاءٍ ساطع، تضيئه النجوم،
ويطوّقه القمر،
وتنتظر الشمس على الحافة
حذرها ألا تلتهم بهجتها الأخيرة.
قلت لها:
«مهلًا…
لديك ما يكفي من الاحتراق،
دعيني آخذ ما تبقّى من النور،
واتركيني أقوى من الرماد.
فصول الزمن، رتابة الحياة، ولك رتابة
تحيّ وترعى،
وأنا لا فصل لي سوى عنق من الشوق للجسد،
فلا تحرقيه.»
رأيت غابات تحمل فواكه شتويّة وصيفيّة في آن،
وطواويس تُصلّي لألوانها،
وفراشات تخلع شرانقها كأنها تتخلّى عن الماضي،
على ضفاف نهر وديع.
وكانت الحيوانات تتقاسم الفطور في أوان معطّرة،
تهبط على طاولات من رخام.
الطيور تنشد أغنية واحدة،
يهز لها الجميع برضى لا يخفى على الزهور.
هنا،
لا أمنيات خارج الوفاء،
ولا مسؤولية على أطراف الانتماء.
الجسد وحده يبقى بعيدًا عن منابع الشقاء.
كلهم سعداء… سعداء،
حتى أني تذكرت الخجل.
أدخلت رأسي من الباب،
فإذا بصوت يسألني:
«من أنت؟ ومن أين أتيت؟
هذا المكان لا يعرف الحرب،
ولا نزاعًا بين أهله.
إن كنت من الأرض، فلا تدخل؛
لقد نزعتم عن الحب روحَه.
إيّاك أن تعبث بعصافير الرخام،
أو تنزع برتقالة دون إذن الشجر.»
قلت:
«أنا من أرض عملاقة بخيرها،
لكنني شريد…
شُرّدت قبل أن أُولَد،
وأمي لم تكن تدري أنني بلا مأوى.
ورثت منها الوفاء، وحب الأرض وحكايات
ترهق التاريخ وتجره من حروفه الباهتة،
لكنني شريد.
أليس هذا كافيًا لأكون وفيًّا؟
هربت من تعب الصبر،
لا أطلب طعامًا ولا كساء،
بل ساعة من بهجتكم الطاهرة.
أريد أن ألمس المعرفة وحقيق أننا رؤية،
في ملامح لم تخنها الحروب.
سأبقى هنا،
جسدي في بلادي، ورأسي عندكم،
فأخبروني عن الحياة حين تمر ساعاتها ببشرى.»
قال الصوت:
«ادخل، وأغلق الباب؛
فنحن نكن للمشردين الود والرؤية الطيبة.»
فقلت:
«لا،
لن أترك الأرض.
لو دخلت، لنسيت كل ما أحب…
الغربة أقسى من التشرد،
والتشرد صراع له جذور.
ساعدوني أن أرسخ ما أنا فيه؛
فالأنانية للوطن ليست محاكاة للتطرف،
بل شكل من أشكال الوفاء.
أحيانًا نرجع عن الغضب،
نحنّ إلى المعنى الأول،
إلى صياغة أعمق للفكرة.
لن أبدّل حياتي بجمال لم أكن فيه،
ولن أفهم نعيمًا أنا فيه دخيل.
سأغلق الباب، وأعود.
ما رأيته كان ميلاد الرؤية لوطني.
رأيت بابكم، فأدركت أن لدي بابًا
أصرخ منه، وأحب، وأعود إليه.
اقبلوني كما أنا، مشردًا،
إلى أن يصل الحق في عيون رعاة الأرض.
فقد كنت قبل الحرب وطنًا،
وقبل النفاق سيدًا عليه.
قتلتنا تلك الساعة
التي توقفت عند نهار النكبة،
وجعلتنا نراوح بين اليقظة والتمرد،
نبتلع غصات مرّة،
ونمررها في نفق هو من يكلمنا عن ضوء الشمس، ونرضى.
طاهر عرابي – دريسدن