وصية الرماد للأحفاد
Avista Hamade
يا أولادي... يا أحفادي... يا شهقة الغد التي لم تولد بعد
هأنذا أكتب إليكم من ضفةٍ أكلها الغبار، من ذاكرةٍ نخرها الندم،
من وطنٍ لم نُفلح في صونه، فصار مجازًا عن الخراب.
عذرًا إن وُلدتم على أنقاض حلمٍ شاخ قبل أن يكتمل،
وعذرًا إن كان أول ما سمعتموه هو صدى الانفجار،
لا ترنيمة أم، ولا ضحكة جدّ، بل ارتجافة جدارٍ فقد أسماء ساكنيه.
كنا نتقاتل كالعميان في ظلمة المعنى،
نشدّ أزرنا بالأوهام، ونستقوي بشعارات لا تُطعم جائعًا،
ولا تعيد ميتًا، ولا تمسح دمعة يتيم.
وما كانت الحرب سوى مرآةٍ عمياء…
تكسرنا جميعًا،
وتناثرنا على ضفاف الهزيمة دون أن نجدنا.
نعم، خسرنا كلنا…
لا منتصر في ساحةٍ امتلأت بالجثث،
ولا فخر في رايةٍ تُرفع على أطلال الطفولة.
يا أولادي،
حين يسألكم التاريخ عمّن كنّا،
قولوا كنّا أحياءً بلا حياة،
ننفخ في رماد الهويات، ونتخاصم على فتات وطنٍ واحد،
حتى صرنا بلا وطن، بلا ظل، بلا وجه.
لقد ورّثناكم الصمت،
والخرائط المشوهة، والقصائد اليتيمة،
وربما… ورّثناكم القدرة على أن تكونوا أجمل منا،
أن تصنعوا من الحطام بيوتًا للسلام،
ومن الرماد شتلات للأمل.
فلا تُعيدوا أسئلتنا،
ولا تُعيدوا أخطاءنا،
ولا تُصغوا لمن يحدثكم عن الطهر في البنادق،
ولا عن المجد في المقابر الجماعية.
إن شئتم أن تُصلّوا، فصلّوا للحقيقة،
وإن شئتم أن تحاربوا، فحاربوا الجهل،
وإن شئتم أن تُحبّوا، فامنحوا قلوبكم لمن لا يسأل: "مِن أي طائفة أنت؟"
...ولكن،
إن كان فينا بقية من نور، ففي اعترافنا لا في عنادنا،
وفي دمعةٍ خجلى تسيل على خدّ طفلٍ نجهله،
وفي غرسة زيتون تُزرع بعد الحرب،
وفي قصيدةٍ تُكتَب لا لتمجيد الشهداء، بل لتحذير الأحياء.
يا أحفادي…
ما زال في الإنسان متسع للحب،
وفي الأرض متسع للبذور،
وفي القلب متسع لندمٍ يتحوّل إلى وعد.
اصنعوا من هذا الرماد نهوضًا،
ومن هذا الخراب معجمًا جديدًا للحياة،
فقد آنَ للدم أن يتوقف عن الحديث باسم الله،
وآنَ للإنسان أن يسمع صوت الإنسان.
وابدؤوا حيث انتهينا،
لكن لا تخطوا خطواتنا،
بل اسلكوا دروبًا لم نجرؤ على رسمها،
وكونوا أنتم…
حلم الأرض الذي لم نُحسن أن نكونه.
آفيستا حمادة