الأحد، 24 مايو 2026

ولادة القصيدة بقلم الراقية راضية الطرابلسي

 ولادة القصيدة 

أفكارنا لا تبقى أفكارًا

إنّها تدخلُ خفيفةً

كخيطِ دخانٍ يتسرّبُ من شقوقِ الروح

غامضةً في البدءِ

مرتبكةً كعصفورٍ أضاعَ سربَه

ثمّ لا تلبثُ أن تكبرَ في الداخل

حتى تضيقَ بها الروحُ

فتبحثَ عن نافذةٍ للخلاص


هناك

تبدأُ القصيدة


تأتي أوّلًا

كرجفةِ نافذةٍ في ليلٍ طويل

ثمّ تهبُّ داخلَ الذاكرةِ

كريحٍ فتحتْ دفعةً واحدة

أبوابَ العمرِ القديمة

فتساقطتِ الوجوهُ من صمتِها

واستيقظتْ أصواتٌ

كنّا نظنّها ماتت


وفجأةً

تصبحُ الفكرةُ كائنًا حيًّا

يمشي في الدم

ويجلسُ قربَنا في العتمة

ويشدُّ أصابعَنا نحو الورق

كأنّه يعرفُ

أنّ النجاةَ كلَّها

مختبئةٌ في كلمة


أحيانًا

تركضُ الفكرةُ في الرأس

كخيولٍ مذعورة

تصطدمُ بجدرانِ الصمت

وترفسُ أبوابَ الذاكرة

فنسمعُ في الداخلِ

ضجيجَ أعمارٍ كاملة


وأحيانًا

تنزلُ هادئةً كثلجٍ أبيض

لكنّها تُبردُ القلبَ ببطء

حتى نشعرَ

أنّ شيئًا ما فينا

ينطفئ


فالحنينُ مثلًا

لا يأتي فكرةً عابرة

بل نافذةً مفتوحةً للغائبين

وستارةً ترتجفُ مع الريح

وخطواتٍ بعيدةً

تتردّدُ في آخرِ الممرّ

كأنّ أحدًا

سيعود


حينها

تولدُ القصيدة

لا من اللغة

بل من ذلكَ الشيءِ المكسورِ فينا

الذي يرفضُ

أن يموتَ بصمت


راضية الطرابلسي/ تونس 

Rahma Mohamed

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .