الجمعة، 22 مايو 2026

صمت يشبه الإنصات بقلم الراقي بهاء الشريف

 حينَ يكونُ الإنصاتُ وطنًا للرُّوح…


( صَمْتٌ يُشْبِهُ الإِنْصَاتَ )


هُنَاكَ قُلُوبٌ

لا تَسْمَعُكَ لِتَرُدَّ عَلَيْكَ…

بَلْ لِتَحْتَوِيكَ


تَجْلِسُ فِي حُضُورِهَا

فَتَشْعُرُ أَنَّ كَلِمَاتِكَ

تَتَخَلَّى عَنْ ثِقَلِهَا

وَتَعُودُ خَفِيفَةً… كَأَنَّهَا وُلِدَتْ مِنْ جَدِيدٍ


مَا أَرْوَعَ أَنْ تَتَكَلَّمَ

وَأَنْتَ مُطْمَئِنٌّ

أَنَّ كُلَّ مَا فِيكَ

لَنْ يُسَاءَ فَهْمُهُ

وَلَا يُسْتَعْجَلَ سُقُوطُهُ


بَعْضُ الإِنْصَاتِ

لَيْسَ صَوْتًا صَامِتًا فَقَطْ

بَلْ يَدٌ خَفِيَّةٌ

تُعِيدُ تَرْتِيبَكَ مِنَ الدَّاخِلِ

دُونَ أَنْ تَلْمِسَكَ


تَقُولُ…

فَيَصِلُ إِلَيْكَ الْمَعْنَى كَامِلًا

قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ الْكَلَامُ


وَهُنَاكَ مَنْ يُصْغِي

فَيَجْعَلُكَ تُؤْمِنُ

أَنَّكَ لَسْتَ وَحْدَكَ

فِي هَذَا التَّعَبِ الَّذِي لَا يُقَالُ


يَا لِنَدْرَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ

حِينَ يُنْصِتُونَ لَكَ

تَشْعُرُ أَنَّ رُوحَكَ

لَمْ تَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَى الشَّرْحِ

وَلَا لِلدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهَا


بَلْ فَقَطْ…

تَسْكُنُ


كَأَنَّهَا وَجَدَتْ مَكَانَهَا الأَخِيرَ

بَعْدَ طُولِ تِيْهِهَا فِي الظَّلَامِ


هَؤُلَاءِ لَا يَقْطَعُونَ حَدِيثَكَ

وَلَا يَمْلَأُونَ فَرَاغَ صَمْتِكَ

بَلْ يَتْرُكُونَ لَكَ مَسَاحَةً

لِتَكُونَ كَمَا أَنْتَ… دُونَ تَزْيِيفٍ


مَعَهُمْ لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَرْفَعَ صَوْتَكَ

كَيْ تُفْهَمَ

وَلَا أَنْ تُجَمِّلَ وَجَعَكَ

كَيْ يُقْبَلَ


يَكْفِي أَنْ تَكُونَ صَادِقًا

فَيَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ إِلَيْكَ

حَتَّى إِنْ لَمْ تُشِرْ إِلَيْهِ


وَحِينَ تَنْتَهِي مِنَ الْكَلَامِ

لَا تَشْعُرُ أَنَّكَ فَرَغْتَ مِنْ نَفْسِكَ

بَلْ تَشْعُرُ أَنَّكَ امْتَلَأْتَ

بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الطُّمَأْنِينَةَ


كَأَنَّ الإِنْصَاتَ عِنْدَهُمْ

لَيْسَ اسْتِمَاعًا…

بَلْ إِعَادَةُ حَيَاةٍ خَفِيَّةٍ لَكَ

وَأَنْتَ لَا تَدْرِي


بَلْ إِعَادَةُ حَيَاةٍ خَفِيَّةٍ لَكَ

تَتَسَرَّبُ بِهُدُوءٍ إِلَى دَاخِلِكَ

كَمَا يَتَسَرَّبُ الضَّوْءُ إِلَى نَافِذَةٍ أُغْلِقَتْ طَوِيلًا


فَتُدْرِكُ فَجْأَةً

أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ بِحَاجَةٍ إِلَى إِجَابَاتٍ كَثِيرَةٍ

قَدْرَ حَاجَتِكَ إِلَى قَلْبٍ

يَفْهَمُ السُّؤَالَ دُونَ أَنْ يُقَالَ


هُنَاكَ أَرْوَاحٌ

إِذَا اقْتَرَبَتْ مِنْكَ

أَعَادَتْ تَرْتِيبَ فَوْضَاكَ بِلُطْفٍ

دُونَ أَنْ تُشْعِرَكَ أَنَّكَ كُنْتَ مَكْسُورًا


فَقَطْ…

تَجْعَلُ الْكَسْرَ أَقَلَّ وَحْدَةً

وَأَكْثَرَ احْتِمَالًا


وَمَعَهُمْ لَا يَعُودُ الصَّمْتُ فَرَاغًا

بَلْ يُصْبِحُ لُغَةً

تُقَالُ بِلَا حُرُوفٍ


وَكَأَنَّ الْحَيَاةَ نَفْسَهَا

تَتَنَفَّسُ عَبْرَ هَذَا الإِنْصَاتِ

وَتَقُولُ لَكَ بِهُدُوءٍ:

مَا زِلْتَ مَفْهُومًا… وَمَا زِلْتَ بِخَيْرٍ


وَكَأَنَّ الْحَيَاةَ نَفْسَهَا

تَتَخَفَّفُ مِنْ ضَجِيجِهَا حِينَ تَمُرُّ بِهِمْ

وَتَكْتَفِي بِأَنْ تُلْقِيَ عَلَى كَتِفِكَ

طُمَأْنِينَةً لَا تُقَالُ


هُنَاكَ مَنْ لَا يُغَيِّرُ كَلِمَاتِكَ

بَلْ يُغَيِّرُ طَرِيقَةَ حَمْلِهَا

فَتَشْعُرَ أَنَّ مَا كَانَ ثَقِيلًا

صَارَ يُمْكِنُ الْعُبُورَ بِهِ


وَمَعَهُمْ لَا تَحْتَاجُ أَنْ تُعِيدَ شَرْحَ نَفْسِكَ

كُلَّ مَرَّةٍ

وَلَا أَنْ تُقْنِعَ أَحَدًا بِأَنَّكَ مُتْعَبٌ


يَكْفِيكَ أَنْ تُتْرَكَ كَمَا أَنْتَ

فِي مَسَاحَةٍ آمِنَةٍ

لَا تُسَاءُ فِيهَا قِرَاءَةُ الرُّوحِ


وَحِينَ يُغَادِرُونَ حَدِيثَكَ

لَا يُغَادِرُونَ أَثَرَهُمْ

بَلْ يَتْرُكُونَ فِيكَ

صَمْتًا أَجْمَلَ مِمَّا كَانَ قَبْلَهُ


صَمْتًا

لَمْ يَعُدْ فَرَاغًا…

بَلْ امْتِلَاءً


امْتِلَاءٌ يُشْبِهُ يَقِينًا خَفِيًّا

بِأَنَّكَ رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّ بِكَ

مَا زِلْتَ قَادِرًا عَلَى الشُّعُورِ

دُونَ خَوْفٍ


وَأَنَّ قَلْبَكَ

الَّذِي تَعَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْخَذْلَانِ

مَا زَالَ يَحْتَفِظُ بِمَسَاحَةٍ صَغِيرَةٍ

لِلْأَمَانِ


هُنَاكَ لَحَظَاتٌ

لَا تَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى كَلِمَاتٍ جَدِيدَةٍ

بَلْ إِلَى إِنْصَاتٍ قَدِيمٍ

يُعِيدُكَ إِلَيْكَ


فَتُدْرِكُ أَنَّ أَجْمَلَ مَا فِي الإِنْسَانِ

لَيْسَ كَثْرَةَ مَنْ يَفْهَمُهُ

بَلْ وُجُودَ مَنْ لَا يَتْرُكُهُ

يَتَفَتَّتُ بِصَمْتٍ


وَمَعَهُمْ…

لَا تَعُودُ الْحَيَاةُ أَقَلَّ أَلَمًا

لَكِنَّهَا تُصْبِحُ أَكْثَرَ لُطْفًا


كَأَنَّهَا تَقُولُ لَكَ:

يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ مُتْعَبًا…

وَلَا تَزَالُ مَحْبُوبًا


حَتَّى حِينَ لَا تُحْسِنُ شَرْحَ مَا يُثْقِلُكَ

وَلَا حِينَ تَتَعَثَّرُ فِي التَّعْبِيرِ عَمَّا بِدَاخِلِكَ


فَالْمَحَبَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ

لَا تُبْنَى عَلَى وُضُوحِكَ دَائِمًا

بَلْ عَلَى قَبُولِكَ كَمَا أَنْتَ

حِينَ يَتَدَاخَلُ فِيكَ الصَّمْتُ وَالْكَلَامُ مَعًا


هُنَاكَ قُلُوبٌ

لَا تَنْتَظِرُ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا

بَلْ أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيًّا فَقَطْ


وَحِينَ تَجِدُهَا

لَا تَعُودُ بِحَاجَةٍ إِلَى التَّفْسِيرِ الْمُسْتَمِرِّ

وَلَا إِلَى الدِّفَاعِ عَنْ حُضُورِكَ


بَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ

حَتَّى يُفْهَمَ وُجُودُكَ


وَكَأَنَّكَ أَخِيرًا

لَمْ تَعُدْ مُضْطَرًّا لِأَنْ تُثْبِتَ أَنَّكَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُسْمَعَ

بَلْ أَصْبَحْتَ مَسْمُوعًا… لِأَنَّكَ أَنْتَ


بِقَلَمِكَ: بَهَاءُ الشَّرِيف

التَّارِيخ: ٢٢ / ١ / ٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .