بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم
🌿 واحة الأدب والأشعار الراقية 🌿
حين يخلعُ الإنسانُ الدنيا
رحلةُ الحاج إلى البيت العتيق
قال الله تعالى:
﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
ليست رحلة الحج انتقالًا في المكان،
بل انتقالٌ في القلب قبل الجسد،
وخروجٌ من ضيق العادة إلى سعة العبادة،
ومن ثقل الدنيا إلى خفة الرجوع إلى الله.
يمضي الحاج وقد ترك وراءه ما اعتاد عليه،
ويحمل في صدره دعواتٍ لم تُنسَ،
وأمنياتٍ طال انتظارها،
وقلبًا يطمع في مغفرةٍ لا تنقطع.
وكثيرٌ من الحجاج يبدأون رحلتهم بزيارة المسجد النبوي،
حيث السكينة التي لا تشبهها سكينة،
وحيث تتهذّب النفس قبل الدخول في النسك.
ثم يتوجّه الحاج إلى مكة المكرمة،
وفي الطريق يصل إلى الميقات،
ومن كان قادمًا من المدينة يُحرم غالبًا من:
ذي الحليفة (أبيار علي).
وهنا تبدأ لحظة التجرد.
يترك الحاج ثيابه المعتادة،
ويلبس لباس الإحرام الأبيض،
فيتساوى الناس أمام الله،
ولا يبقى فرقٌ بين غني وفقير،
ولا بين صاحب جاهٍ وآخر بسيط.
ثم ترتفع التلبية:
“لبيك اللهم لبيك،
لبيك لا شريك لك لبيك،
إن الحمد والنعمة لك والملك،
لا شريك لك.”
فتسير الأصوات كأنها قلبٌ واحد يتجه إلى بيت الله الحرام.
وكثيرٌ من الحجاج يؤدّون حج التمتّع،
فيُحرم الحاج أولًا بعمرة،
ثم يدخل إلى المسجد الحرام،
حتى يقع بصره على الكعبة المشرفة.
هناك تتوقف اللغة لحظة،
ويبدأ الشعور وحده في الكلام.
يقف الإنسان أمام البيت الذي اتجهت إليه قلوب المسلمين منذ قرون،
فيشعر بثقل الوقوف أمام عظمة المكان،
وهيبة المشهد،
وسكون اللحظة.
ثم يبدأ الطواف سبعة أشواط حول البيت،
يبدأ من الحجر الأسود،
في دعاءٍ واستغفارٍ وخشوعٍ صامت.
وفي كل شوط يمرّ الحاج وكأن شيئًا من ثقل قلبه يتخفف،
حتى يكتمل الطواف،
فتتجه النفس إلى السكينة لا إلى الكلام.
ثم يشرب من بئر زمزم،
الماء المبارك الذي جعله الله آيةً باقيةً في الأرض.
ثم يسعى بين الصفا والمروة،
تذكيرًا بسعي هاجر عليها السلام،
حين تركت يقينها بالله يقود خطواتها في الصحراء.
قال الله تعالى:
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾
ثم يحلق الحاج شعره أو يقصّره،
وبذلك تتحلل العمرة،
ويعود إلى حاله المعتاد منتظرًا أيام الحج.
وفي اليوم الثامن من ذي الحجة،
يوم التروية،
يغتسل الحاج ويلبس الإحرام مرة أخرى،
ناويًا الحج،
ثم يتوجه إلى منى،
حيث تقيم القلوب قبل الأجساد في خيام الطاعة.
ومع فجر يوم عرفة،
تنطلق الجموع إلى جبل عرفة.
وهناك…
يقف الإنسان أمام نفسه أولًا،
قبل أن يقف أمام الدعاء.
تُرفع الأيدي،
وتنهمر الدموع،
ويعلو الرجاء فوق كل شيء.
قال رسول الله ﷺ:
“الحج عرفة.”
رواه الترمذي وصححه الألباني.
وقال ﷺ:
“ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة.”
رواه مسلم.
وفي ذلك الموقف،
يدرك الإنسان معنى الحاجة المطلقة إلى رحمة الله،
وأن كل ما مضى كان طريقًا إلى هذه اللحظة.
ثم تغيب الشمس،
فتتحرك الجموع إلى مزدلفة،
حيث السكون بعد الدعاء،
والراحة بعد الوقوف الطويل.
ثم يمضي الحجاج إلى جسر الجمرات،
فيرمون الجمرات اقتداءً بإبراهيم عليه السلام،
ورمزًا لرفض كل ما يصدّ عن طاعة الله.
ثم يُذبح الهدي لمن وجب عليه،
ويحلق الرجال رؤوسهم أو يقصّرونها،
فتبدأ مرحلة التحلل من الإحرام.
ثم يعود الحجاج إلى المسجد الحرام لأداء طواف الإفاضة،
ثم يقيمون أيام التشريق في منى،
يذكرون الله ويكبّرونه ويستغفرونه.
حتى تأتي لحظة الوداع،
حين يطوف الحاج حول الكعبة المشرفة طواف الوداع،
وقلبه معلّق بالمكان أكثر من خطاه خارجه.
وهكذا تنتهي رحلة الجسد،
لكن أثرها يبقى في القلب.
قال الله تعالى:
﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾
وقال رسول الله ﷺ:
“من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه.”
متفق عليه.
فهنيئًا لمن لبّى،
وهنيئًا لمن وقف،
وهنيئًا لمن عاد بقلبٍ غير الذي ذهب به.
✍️
بقلم: ناصر صالح أبو عمر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .